ابن عجيبة

238

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فَاسْتَغاثَهُ ؛ فاستنصره الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ أي : فسأله أن يغيثه الإعانة . ضمّن استغاث أعان ، فعداه ب « على » . روى أنه لما استغاث به ، غضب موسى ، وقال للفرعونى : خله عنك ؟ فقال : إنما آخذه ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك ، ثم قال الفرعون لموسى : لقد هممت أن أحمله عليك ، فَوَكَزَهُ مُوسى ؛ ضربه بجمع كفه ، أو : بأطراف أصابعه . قال الفراء الوكز : الدفع بأطراف الأصابع . فَقَضى عَلَيْهِ أي : قتله ، ولم يتعمد قتله ، وكان موسى عليه السّلام ذا قوة وبطش ، وإنما فعل ذلك الوكز ؛ لأن إغاثة المظلوم والدفع عنه دين في الملل كلها ، وفرض في جميع الشرائع . وإنما عدّه ذنبا ؛ لأن الأنبياء لا يكفى في حقهم الإذن العام ، فلذلك قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ أي : القتل الحاصل ، بغير قصد ، من عمل الشيطان ، واستغفر ، وإنما جعل قتل الكافر من عمل الشيطان ، وسماه ظلما لنفسه ، واستغفر منه ؛ لأنه كان مستأمنا فيهم ، أو : لأنه قتله قبل أن يؤذن له في القتل . وعن ابن جريح : ليس لنبي أن يقتل ما لم يؤمر ، ولأن الخصوص يعظمون محقرات ما فرط منهم . إِنَّهُ أي : الشيطان عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ؛ ظاهر العداوة . قالَ رَبِّ أي : يا رب إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بفعل صار قتلا فَاغْفِرْ لِي زلتي ، فَغَفَرَ لَهُ زلته ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ بإقالة الزلل ، الرَّحِيمُ بإزالة الخجل ، قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ أي : بحق إنعامك علىّ بالمغفرة ولم تعاقبنى فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ أي : لا تجعلني أعين على خطيئة ، توسل للعصمة بإنعامه عليه . وقيل : إنه قسم حذف جوابه ، أي : أقسم بإنعامك علىّ بالمغفرة ، إن عصمتنى ، فلن أكون ظهيرا للمجرمين ، وأراد بمظاهرة المجرمين صحبة فرعون ، وانتظامه في جملته ، وتكثير سواده ، حيث كان يركب معه كالولد مع الوالد . قال ابن عطية : واحتج أهل الفضل والعلم بهذه الآية في منع خدمة أهل الجور ، ومعونتهم في شئ من أمورهم ، ورأوا أنها تتناول ذلك . ه . قال الوصافي لعطاء بن أبي رباح : إن لي أخا يأخذ بقلمه ، وإنما يكتب ما يدخل ويخرج ، وله عيال ، ولو ترك لاحتاج وادّان . فقال : من الرأس ؟ فقال : خالد بن عبد اللّه ، قال : أما تقرأ قول العبد الصالح : رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ ، فإن اللّه عز وجل سيعينه . ه . الإشارة : خصوصية الولاية كخصوصية النبوة ، لا تعطى ، غالبا ، إلا بعد بلوغ الأشد وكمال قوة العقل ، وحصول الاستواء ، وهو أن يستوى عنده المدح والذم ، والعز والذل ، والمنع والعطاء ، والفقر والغنى ، وتستوى حاله في القبض والبسط ، والغضب والرضا ، فإذا استوى في هذه الأمور آتاه اللّه حكما وعلما ، وجزاه جزاء المحسنين ، وكتب شيخ شيخنا إلى بعض تلامذته : أمّا بعد ، فإن تورعت في أقوالك وأفعالك ، وتوسعت في أخلاقك ، حتى